السبت، 25 يونيو 2011

الشهادة المضروبة


فللمعرفة مريدين ، وللدراسة محبين ، وفي التعليم طلاب مجتهدون ، يبذلون في سبيله جهدهم ، ويعطونه من أوقاتهم، ويصرفون عليه من أموالهم، لا يمنعهم في ذلك مانع ، ولا يثبطهم فيه إنسان ، ولا يعيقهم بسببه نظام.

أبواب العلم اليوم كثيرة ، وساحاته منتشرة، ومنافذه مشرعة ، وأموره ميسرة ، وهو في متناول الجميع، إلا إن بعض المنابر العلمية أسست على هدف تجاري ، واهتمت بالربح المادي.

فمن المدارس الأهلية ؛ من يتسابق إليها الطلاب للوصول إلى النجاح المضمون ، أو للحصول على الدرجات المرتفعة ، وهذا مما جعل التعليم الجامعي يحصر القبول به ؛ على اجتياز الطلاب لاختباري القدرات والتحصيل.

وهناك معاهد صحية ، وكليات أهلية ؛ خرجت لنا طلاباً تشكو وزارة الصحة من رصيدهم المعرفي ، ومستواهم الفني ، مما حدا بها إلى تقويم كفاياتهم مرة أخرى عند التوظيف.

وأما جامعاتنا ؛ ففيها نظام للانتساب، وبرامج للدراسات العليا ، لكن المقاعد فيها محدودة ، والرسوم المالية بها مرتفعة ، مما نتج عن ذلك ؛ انتشار مكاتب تسويقية للخدمات التعليمية في جامعات عربية وأجنبية ، والتي سعت إلى العائد المادي؛ مقابل إشباع طموح الطلاب ، وتسهيل مبتغاهم، وتوفير مرادهم.

مشكلة القبول والدراسات العليا في جامعاتنا، مشكلة متأزمة ،وحالة معقدة، والتي ليس لها إستراتيجية مستقبلية في علاجها ، مما يدعو بعض الدارسين إلى إشباع عطشهم العلمي من جامعات خارج البلاد ، وهم يعلمون أنها شهادات بدون اعتماد رسمي ، وليس لها عائد وظيفي ، والتي نرجوا أن تكون ملزمة لهم على العطاء الراقي ، ودافعة إلى الإبداع ، وحافزة على البذل والتفاني.

ومن واقع تجربة شخصية في دراسة الماجستير بإحدى جامعات المملكة الحكومية ؛ والتي سارت فيها الدراسة بطريقة تقليدية ؛ لها شروط ومطالب ووقت طويل بلا حاجة ، وبدون ضرورة ، والتي رأينا فيها القصور والتقصير ، ولمسنا في بعض أساتذتها الفتور في الأداء العلمي ، حتى إن فيهم من ضيع الوقت في أحاديث جانبية ، لا قيمة فيها ، بل إننا درسنا فيها كتب قديمة ، سبق لنا دراستها في مرحلة البكالوريوس ، فمن الذي يتولى مراقبة الجامعات ؟ ومن المسؤول عن تقويم المخرجات ؟ وللعلم فإن هناك بعض الدوائر الحكومية والمؤسسات والشركات ؛ بدأت تشترط للتوظيف والعمل؛ اجتياز خريجي جامعاتنا لمقاييس واختبارات ومقابلات.

وأما عن دراسة الدكتوراه ؛ فكانت في جامعة عريقة بإحدى الدول العربية ؛ دفعتنا إليها الحاجة العلمية ، والرغبة التطويرية ، إلا إنها لم تكن ثرية ولا ثمينة ؛ وذلك لوجود استغلال مالي لا لزوم له ، مما دفعنا إلى مسلك التعليم عن بعد ، والذي أضحى اليوم أهم وسيلة للدراسة في كثير من الجامعات العالمية ، إذ يعدّ ضرورة من ضروريات العصر ، الذي كثرت أعباؤه ، وزادت متطلباته ، وتيسرت اتصالاته ، وهو نظام له مقررات يجب اجتيازها ، وبحوث يجب إعدادها ، واختبارات لابد من دخولها ، وها هي اليوم بعض جامعاتنا المتطورة ، تقوم بهذا النظام، كجامعتي الإمام والملك عبد العزيز ، إلا إننا نتمنى أن تعتمده وزارة التعليم العالي ، وأن تقوم به جميع الجامعات ، وفي بعض التخصصات ، كما هو الحال في دول مجاورة لنا.

كنا نتمنى الدراسة في إحدى جامعاتنا ، لكن مقاعدها المحدودة ؛ محجوزة مسبقاً، حيث لا يخلو التسجيل فيها من المحسوبية، وهي مازالت على شروطها؛ في منع إكمال الدراسة للموظفين؛ ممن زاد عمره عن أربعين عاماً ، ولا ندري ما هو الهدف من ذلك؟ ، كما إن من شروطهم المجحفة في مرحلة الدكتوراه ؛ التفرغ الكلي للدراسة ، أي إن طالبها عليه تقديم الاستقالة من الوظيفة ، بينما هي مرحلة تستند على  الجهود الذاتية في الإثراء العلمي، والتمكين المعرفي.

يظن بعض الناس؛ أن الشهادة المضروبة هي تلك التي اشتراها صاحبها بماله من جهة خارجية، ولم يتم اعتمادها من عمله، حتى ولو كان مستواه أكبر منها ، وكفاءَتُه أعظم من قيمتها ، وتناسوا أصحاب شهادات معتمدة ؛ غشوا بها أنفسهم قبل غيرهم، شهادات حصلوا عليها من اختبارات اجتازوها بالغش والخداع، شهادات لم يكن هدفها سوى الوظيفة، حصلوا بها على مبتغاهم ، ثم تركوا بعدها تطوير أنفسهم ، وإنماء قدراتهم، وإثراء كيانهم، شهادات فيها فخر وافتخار، وقيمة وظيفية، ووجاهة اجتماعية، لكنها ورقية صورية شكلية ، ليس فيها قيمة حقيقية صحيحة، ولا قوة علمية سليمة، ولا عظمة ميدانية ملموسة.

كان الأولى بصاحب أي شهادة علمية ـ مهما كان مصدرها ـ  ؛ الاستمرار في طلب العلم والمعرفة، والاهتمام بالمراجعة المتكررة لما اكتسبه من فن ومهارة ، والمبادرة إلى تقديم برامج تطويرية، وتنفيذ مشاريع تنموية؛ تفيد في رقي المجتمع، وفي سمو أفراده، وكل حسب تخصصه، وبركة وقته.

قصائد شعبية ظريفة

يوجد في تراثنا العربي مصنفات كثيرة؛ احتوت على أخبار ماتعة، ونوادر باسمة،كما في كتاب المستطرف من كل فن مستظرف للابشيهي ، وكتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، وكتاب خاص الخاص للثعالبي ، وكتاب البخلاء للجاحظ وغيرها كثير، كذلك يوجد في دواوين الشعر العربي أدب خاص يسمى الأدب الضاحك الفكاهي، الذي يحتوي على قصائد ممتلئة بالبسمة والفكاهة، والطرفة والظرافة.

ومعلوم أن الابتسامة فيها منافع نفسية كثيرة، فهي تزيل التوتر والضجر ، والنكد والتعب ، ولها رونق وجمال؛ تضفي على وجه صاحبها النور والراحة والسرور، وهي سبب رئيس في جذب الناس إليه ، والذين بطبيعتهم يميلون إلى كل فعل لطيف، وأمر ظريف.

الشعر الضاحك فلسفة تعبر عن موقف، أو نظرة، أو فكرة ،يقدمها الشاعر بالتصريح اللطيف، أو باللمح والتلميح، وهو فن لا يجيده إلا قلة من الشعراء ، لكن الشاعر المسؤول هو الذي يتناول هموم الأمة ، ويهتم بقضاياها، ويتفاعل مع إنجازاتها، وهو الذي يبتعد عن الكلمات البذيئة والمبتذلة، والقصائد السمجة والرديئة.

وفيما يلي مقتطفات يسيرة ومختصرة،من ساحات الانترنت الأدبية ؛ التي تحتوي على مقاطع شعرية هزلية كثيرة ،منها الغث، وفيها السمين، ومنها النافع، وفيها الضار، ولعل ما نقدمه هنا؛ فيه تسلية وقيمة وفائدة.

فمن الصور الباسمة، قول أحد الشعراء:
ياونتّـي ونّـات ســوّاق تكـسـي.....زلّ النهـار وما حصّـل لـه ريـالات.
والاّ مريض(ن)علّتـه شـي نفسـي.....ما فاد بـه كـيّ العـرب والقـراءات.

وهذه شاعرة شعبية ؛ تزوج عليها زوجها،قالت:
ياليت حكم المره في شرعنا يقبلونه.....واقضي على راعي الثنتين واخرج جنونه.
واحكم عليه الخطأ واقل لهم يشنقونه.....واستخرج الروح من جسمه واخرج عيونه.

ومن قصيدة للزوجة الأولى، ترحب بالثانية:
يا مرحباً عدّ ما سارت بك أقدامك.....إن كنت صدام فانا بوش قدامك.

وهذا الشاعر/ حنيف ؛ عُرف بنهمه الشديد للقهوة ، حتى تأفف منه مستضيفه قائلاً:
خمسة عشر فنجال لحنيف صبيت..... لو كان بطنه قربةٍ قد ملاهـا.
فرد عليه حنيف قائلاً:
لا تحسبني من دلالك تقهويـت..... ما تنقه الشراب من كثر ماها.
يا موصّي الحرمة على صكّة البيت..... تقول ما انته فيه وانته وراها.

وفي مجال الهجاء، يقول شاعر:
بعض البشر ودك تحطه بمخباك..... وتظهر خشيمه كل ساعة وتحبّه .
وبعض البشر ودك تُلخّه بمسحاة..... وترجع عليه كل ساعة وتلخّه.

وفي هذا المضمار؛ لشاعر آخر:
بعض العرب ودك ترصه على القلب..... وبعض العرب ودك ترصه بمشعـاب.
وبعض العرب لا هو بموجب ولا سلـب ..... صفراً على يسـراك ميـزود حْسـاب.

ومن الصور الشعرية التي فيها دعابة مبالغة:

يا مرحبا ترحيبةٍ تسبق الفار..... لا صار في دربة ثلاثين بِسّه.
*****
من زود حبك مايجي عيني النوم ..... ومن كثر مااسهر باعوا أهلي فراشي.
*****
شريت لي ثوب على شان لقياك..... والثوب راحت موضته مالبسته.
*****
حبي بنالك وسط قلبي عمارة..... ومن زود الغلا تحت العمارة دكاكين.
*****
أخذت في حبك شهادة تفوق ..... لكن عجزت ألقى بقلبك وظيفة.
*****
أنت الحلا والناس جنبك ولاشي *** مثل الجلاكسي بين توفي وغندور.
*****
ياقرب واشنطن ولندن وباريس..... حذفة عصا للي رصيده ملايين.
*****
قلبي قبل فرقاك ما ينقص الزيت ..... واليوم أزيده في كل مشوارعلبه.
*****
احرص عن الزلات في كل الأحوال.....لا تنخدع باللي يلجّغ لُبانه.
*****
بعض البشر يسوى ثمانين مليار..... وبعض العرب تدفع لفرقاه مليون.
*****

تنبيه مهم:

هذه المقالة؛ دعوة إلى البشاشة، والتفاؤل، وانشراح الصدر، والجد الوقور، ونبذ التجهم والتشاؤم والكآبة،وترك الضحك العابث، والقول الفارغ، والمزح الثقيل.



زلزال اليابان

زلزال اليابان

هاهي اليابان؛ الدولة الراقية علمياًً، والمتقدمة تقنياً ، والمتطورة صناعياً؛ لم تستطع أن تحمي أراضيها من الزلزال الذي أصابها قبل أيام، والذي خلف الآلاف من القتلى والمشرَّدين، وتسبب في دمار المساكن والممتلكات، وأشاع الرعب في العالم؛ بسبب مخاطر المفاعلات النووية المتضررة .

اليابان دولة قوية اقتصادياً، لديها تدابير كبيرة، واحتياطات شديدة؛ يحرصون عليها عند إنشاء بيوتهم ، وبناء منشآتهم، ففي أسفل كل بناية متعددة الأدوار؛ يوجد نظام بناء يجعلها تتمايل عند حدوث الزلزال ولا تسقط، اليابان جزيرة معرضة للاختفاء مع مرور الوقت (كما يذكرون) ، فهي محاطة بالماء من جميع الجوانب، وقيل إنها كانت جزءاً من الصين، وانقسمت نتيجة الزلازل .

"وخلق الإنسان ضعيفاً" (النساء: 28)؛ فمن يشاهد مقاطع الفيديو المنزلة عن هذه الكارثة؛ سيرى مئات المنازل والسيارات والقوارب والطائرات، التي جرفها الطوفان، وهي تتقلب فيه كقطع الفلين ، ولا مغيث لهم ولا نصير، وهي مناظر تؤكد أن الدول مهما بلغت من العلم والقدرة، والسلطة والقوة ، والمكانة والسمعة؛ فهي ضعيفة أمام قدرة الله تعالى وقوته، عاجزة عن ردّ عذابه ونقمته ، "وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ" [العنكبوت:22].

رأوا أن الزلزال الذي وقع؛ كان نتيجة أنشطة بركانية، واهتزازات أرضية أسفل البحر، مما تسبب ذلك في حدوث أمواج عالية تسمى (تسونامي)، وهو يشبه ذلك الذي وقع في المحيط الهندي عام 2004م، ونتج عنه وفاة ما يقارب ربع مليون نسمة، وما علم هؤلاء أن الزلزال جند من جنود الله تعالى، وآية من آياته ؛ يرسله تخويفاً للكافرين، وابتلاء للمؤمنين، وعتاباً للمقصرين والمذنبين، قال الله تعالى "وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً" [الإسراء:59] .

 "إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى" [النازعات:26]، ففي المحنِ والمصائِبِ؛ يشعر المسلم بجلال الخالق وعظمتِه، وسلطانه وجبروتِه، ويدرك أنه مخلوق ناقص قاصر ضعيف عاجز، وأن الدنيا التي يحرص عليها؛ معرَّضَة للزوال، صائِرةٌ إلى الفناء، المؤمن الحق؛ من إذا سمع بالزلزال ؛ تذكر يوم الزلزلة الكبرى (يوم القيامة)، والذي فيه تذهَل المراضع، وتضَع الحوامل، وتشيبُ الولدان، موقف عظيم؛ لن يسلم منه إلا من بذل أسباب النجاة،  قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ  يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ" [الحج:1، 2].

إن ما وقع في بلاد اليابان؛ يذكرنا بما حدث في بلادنا قبل فترة ؛ زلزال قرية العيص ـ قرب المدينة المنورة ـ ، والذي أصابنا منه قلق وهلع، وشلل وخلل، ليس الأول ولن يكون الأخير، فنحن لدينا مخاطر زلزالية أخرى، كالمناطق القريبة من خليج العقبة، والمدن الواقعة بالقرب من ساحل البحر الأحمر، والمدن القريبة من الحرات البركانية ؛ ذكر ذلك الدكتور/ طلال مختار ،أستاذ علم الزلازل في جامعة الملك عبدالعزيز بصحيفة الحياة، وهذا يحتاج منا إلى عمل الدراسات والبرامج اللازمة للنشاط الزلزالي في المملكة، كما يلزمنا قبل هذا ؛ التوبة إلى الله سبحانه , والإكثار من ذكره واستغفاره ،  والضراعة إليه، وسؤاله العافية والسلامة, كان مما قاله صلى الله عليه وسلم عند الكسوف : ( فإذا رأيتم ذلك ؛ فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره ) متفق عليه.

الدراما السعودية ...مفسدة وأي مفسدة


فلعلكم رأيتم بعض اللقطات والمشاهد التمثيلية المعروضة على القنوات الفضائية في شهر رمضان المبارك، والتي قدمها بعض الممثلين السعوديين، في مسلسلات يومية عديدة، لها مساحة واسعة من البث، وفي أوقات ذهبية نفيسة،هدفها الأول نشر السموم لتغيير السلوك، وجذب المشاهدين، لكسب المعلنين .هذه المسلسلات وباء كبير، وشر مستطير، أفسدوا بها بركة رمضان، وفضائل الصبام، وقدموا صورة مشوهة وضارة عن مجتمعنا السعودي، وذلك من خلال عكس صور غير واقعية عنه ،أخرجته على إنه إنسان ساذج وبسيط ؛ في شخصيته، وفي شكله، وفي تصرفاته، وفي كلامه، وفي حياته.وقد احتوت هذه التمثيليات على أفكار رديئة، وحوارات منحطة، وكلمات بذيئة، وحركات استهتارية؛ لا يقبلها العقل ولا المنطق، أتوا بممثلين يظنون أنفسهم مضحكين ومجيدين ،وأتوا بمخرجين وكاميرات، وصوروا مشاهد ملفقة وسخيفة، قائمة على التهريج والتسفيه، والتحقير والسخرية وقلة الأدب، فكأنهم يقدمونها لأناس مصابين بلوث في عقولهم، أو تواضع في فهمهم. مسلسلات عقيمة فنياً، فهي مفلسة في أفكارها، هابطة في حوارها، ساذجة في مشاهدها، فاشلة في إخراجها، ولو قدمت لغرض إضحاكنا، والضحك علينا، فإنها مشاهد لا يركض خلفها غير الأطفال، ومن لا يفقه الفكرة، ولا يعي الهدف ، و إلا فالمشاهد العاقل يرفض إذا لم يُحترم ، وهناك فرق بين خفة الدم، وبين خفة العقل.نأسف للوقت الذي سلبته منا بعض المشاهد، غفر الله لي ولكم، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ونعم النصير.
[
وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا](النساء:140).

امتلك ... ولو مفحص قطاه


لدينا في بلادنا الحبيبة؛ ثلاث عشرة منطقة ، وثلاث محافظات بعد المئة ، وهي تحتوي على مدن  كبيرة، وقرى وهِجَر كثيرة، فيها نهضة عمرانية قائمة ، لكنها لا تخلو من الأزمة العقارية، إذ توجد معاناة شعبية؛ في توفير ملكية سكنية ، بالرغم من وجود أراضٍ واسعة مهجورة ، ومساحات شاسعة خالية وغير معمورة، إلا إن غالب هذه المساحات ؛ لا توجد فيها بنية أساسية، ولا خدمات حضارية، مما دعا الناس إلى الهجرة للمدن الرئيسة.

زادت الكثافة السكانية، وأغلبهم في المرحلة الشبابية، والذين يعملون في أعمال عوائدها محدودة، وبينهم من لا يمتلك غرفة ، ولا حتى صندقة، أو عُشّة، فهناك إحصائية منشورة غير مؤكدة؛ ذكرت أن 53% من أبناء المملكة؛ يعيشون في مساكن غير مملوكة ، ولعل نتائج التعداد الأخيرة؛ تنفي أو تثبت هذه المعلومة ، علماً أن هناك آلية جديدة ؛ تتضمن إيقاف منح الأراضي، وإنشاء مجمعات سكنية، وهي مازالت منذ سنوات تحت الدراسة ؛ لدى هيئة الإسكان ، ووزارة الشؤون البلدية والقروية.

إن غالب الميزانية لدى هذه الفئة ؛ تذهب في شقق مستأجرة، قيمتها غير منطقية، ومساحاتها غير واسعة، وإن بينهم من يشتكي من الضائقة، ويجد في تسديد الإيجار صعوبة ومعسرة ، وقد يسكن بعضهم بالمماطلة والحيلة والمخادعة، وما أكثر قضاياهم المنظورة في إدارات الحقوق المدنية !

إيجاد مسكن اليوم؛ ضرورة حياتية؛ لمعيشة آمنة مستقرة، وحياة مريحة ومنتجة، وهو أمل لكل أسرة، ومطمح لكل عائلة، لكن توفير الأرض من المسائل المؤرقة، ومن الأزمات الثابتة؛ لأصحاب الدخولات الضعيفة، فالأسعار الخيالية؛ سببها السوق الحرة، والمضاربات العشوائية، بل إن تشييد بناية؛ يحتاج إلى ميزانية مفتوحة، لأن التكلفة عالية، والخامات باهضة، والأسعار متصاعدة.

فمن أجل مصلحة الأمة ؛ نحن بحاجة عاجلة إلى:

وضع نظام لأسعار العقار المتضخمة.
والسماح بزيادة الأدوار في الأحياء السكنية، مع مواقف واسعة.
وتحريك الأراضي المحتكرة؛ بفرض الغرامة.
وتقديم قطعة مجانية ، لها مساحة مناسبة؛ لكل صاحب بطاقة وطنية، من مخططات فيها خدمة، حتى ولو كانت بعيدة.
وأفضل معالجة جذرية لحل هذه المشكلة الضخمة؛ بناء الحكومة لوحدات سكنية، تمنح لكل أسرة بأقساط شهرية ميسرة.

أما النصيحة المهمة ـ ومن واقع تجربة شخصية ـ  فلا تقع فريسة في فخ المساهمات العقارية ، حتى ولو كانت معتمدة من وزارة التجارة، وهيئة الأمم المتحدة، أو لها تزكية من شخصيات معتبرة، إذ لنا عبرة وموعظة في مساهمات وهمية متعثرة؛ كمساهمات الأجهوري والدريبي والعريفي والنهابي والسويداني والعصلاني والجعيدي ...... ، أكثر من 180مساهمة عقارية خادعة مخادعة، كاذبة محتالة، والتي سببت للمجتمع مصائب متفاقمة، ومشاكل متأزمة، كان من أعظمها: فقدان الثقة في الشراكة التنموية، والمشاريع الاستثمارية .
 والحالة كما هي؛ سوف تبقى أزمة السكن العقارية؛ مشكلة دائمة وقائمة، بل سوف تكون من المشاكل الموروثة والموّرثة ؛ لأجيالنا القادمة.
  
هامش:
مفحص قطاة: هي الحفرة التي تضع فيها القطاة بيضها، والقطاة طائر صحراوي بري ، وفي الحديث النبوي الشريف [من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة ؛ بنى الله له بيتاً في الجنة ] رواه ابن ماجه وصححه الألباني .

لغة القبضة

 

رأيت بالأمس سائقَين، ظهرت عليهما علامات الغضب، ودلالات العصبية؛ في موقف لا يستوجب التوتر ولا الهياج، والذي تطور إلى ملاسنة، وتشابك بالأيدي، ولولا وجود من فظ الاشتباك بينهما؛ لحدث مالا تحمد عقباه.

أخطاء السير بالمركبة تتكرر يومياً؛ فقبل أيام قتل شاب في الطائف على يد سائق؛ إثر ملاسنة وقعت بينهما؛ بسبب حادث سير طفيف ، وتكرر مشهد مماثل له في الرياض؛ عندما سدد شاب طعنة مميتة إلى صدر سائق ناقلة؛ بسبب نزاع على الطريق. وكان الأولى بأصحاب هذه المواقف؛ ضبط النفس، والتزام الهدوء، والتوقف عن الكلام ، مع الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وإطفاء نار الغضب بالماء، أو الجلوس ، أو الاسترخاء، أو الانصراف.

لغة القبضة هي لغة القوة وفرد العضلات، لغة العنف والحديد ، لغة التهديد والوعيد، الطريقة الهمجية التي تسلكها الحكومات الظالمة؛ مع شعوبها المضطهدة، تلك التي نراها بين جماعات وتيارات؛ تفرق الصفوف، وتجلب الشقاق، تلك التي نشاهدها من رؤساء متسلطين ؛ نحو مرؤوسين صابرين، تلك التي لها صور عديدة؛ في شللية الأطفال المتنمرين، وعصابات المراهقين الطائشين ، إنها تلك الطريقة الوحيدة للعيش والبقاء ؛ في مجتمع الحيوانات المتوحشة في الصحاري والأدغال.

من يبطش أو يهم بالاعتداء على غيره؛ فهو يكشف للآخرين عن وضعه الشخصي، وتدهوره النفسي، ونقصه العقلي، وعجزه الفكري، وهو ـ من المؤكد ـ تربى في أسرة ممتلئة بالعنف ، وملوثة بالصراع، ومن المؤكد  أن تعليمه كان في بيئة مدرسية قاسية ، منهجها الضرب واللكم والطرد، ومن المؤكد أنه سيعيش بسلوك المشاكسة والتمرد والفرعنة ، وهذا الذي سيوقعه ـ لا محالة ـ في مستنقع الجنوح ،ونفق الجريمة.

العنف اللفظي ، والعدوان البدني ؛ لا يصدر إلا من الشخص الفاشل ،الناقص ، القاصر ، المجنون، صاحب النظرة الفوقية، والغطرسة الاستبدادية ، والذي لا يدرك أن لغات السلوك العدواني معيقة لحل أي مشكلة ، ومعيقة لعلاج أي قضية، بل سوف تكون سبباً في زيادة اشتعالها، واتساع حجمها، وبزوغ غيرها.

فمن أجلنا وأجل سعادتنا؛ علينا أن نربي أنفسنا وأهلينا على احترام الآخرين وتقديرهم ، والتفاهم الجيد معهم؛ وإلا فإن العين المحمرة ؛ سوف تصبح لغة التفاهم الرئيسة بيننا.
ومن ابتلي بموقف عدائي ؛ فعليه التحكم في مشاعر الحقد والكراهية ، والسيطرة على أفكار الانتقام والثأر ، والتعامل مع الموقف بحنكة وحكمة، وسعة صدر، وراحة بال، وقبل هذا؛ وقاية النفس من الأجواء المكهربة، والشخصيات المتعبة.

إن أفضل علاج للصراعات والاختلافات؛ هو الحوار الهادئ، والنقاش البناء، الذي يؤلف القلوب، ويقرب المسافات ، ولنا أن نسترد حقوقنا المنتهكة بلغة التسامح؛ أو بالطرق القانونية، والوسائل المشروعة، فالمحاكم مفتوحة، ومجالس الصلح موجودة.

ما يجب أن نحرص عليه دائماً؛ هو الأخذ بالتوجيهات النبوية الشريفة، التي ترتقي بالفكر والتفكير، وتصلح التعامل، وتسمو بالتواصل: " ليس الشديد بالصرعة، وإنما الذي يملك نفسه عند الغضب "، " لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلا بِاللَّعَّانِ، وَلا الْفَاحِشِ، وَلا الْبَذِيءِ" ، " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر".

بيان الناجحين



فقد تعودنا في أحاديثنا وكتاباتنا؛ على تناول المثالب السلوكية، والمناقص الاجتماعية، والجوانب السلبية الشائعة والمنتشرة بين أفراد مجتمعنا، وذلك بهدف التخلص منها، والقضاء عليها، أو للتخفيف منها ، والحد من انتشارها.

لكننا نغفل كثيراً ، ولا نهتم جيداً ؛ بذكر المحاسن الجميلة، ولا نشير إلى المشاهد الرائعة، ولا نضرب المثل بالنماذج المتميزة، والشواهد الحاضرة، الموجودة بكثرة بيننا، والتي تستحق الثناء والإشادة، والشكر والتقدير.

إن الحديث عن الشخصيات الرائعة، والتعريف بسلوكها المحمود، وتوضيح سيرتها العطرة ؛ له فوائد مثمرة في الاقتداء بها ، والتحلي بصفاتها ، وإتباع منهجها، وهو كذلك نافع في محاسبة أنفسنا، ومراجعة أعمالنا، وتصحيح أخطائنا، والرفع من ذواتنا.

فكم تعرفون من إنسان بعينه، يعتني بالتقرب من الخالق جل وعز: الصلاة يومياً في المسجد، وفي الصف الأول بالذات، صيام يومي الاثنين والخميس أسبوعياً ، التهجد والناس نيام ، مع ورد يومي من القرآن الكريم، وهو على هذه العبادات سنين طويلة.

وكم طالب علم جليل؛ تعلمون همته وعنايته باستثمار يومه في القراءة المفيدة، وطلب العلم النافع، مع اهتمام عالٍ بنشر الفكر الراقي، والتحلي بالخلق الرفيع، والمنطق الجميل.

وكم داعية قدير؛ لديكم أخبار كفاحه ، وأحوال تضحياته في خدمة الدين، ونشر الدعوة، وبذل النصيحة، والإصلاح بين الناس، يقوم بالتدريس ، ويلقي المحاضرات ؛ بدون مقابل مادي، ولا هدف دنيوي، وله على ذلك أعوام كثيرة .

وكم معلم مخلص؛ رأيتم أثره ومحبته في نفوس طلابه، لأنه يعتني بهم، ويحنو عليهم، ويبذل جهده كله في تعليمهم وتربيتهم، ملك القلوب والعقول، ونال الإعجاب والاحترام.

وكم موظف أمين؛ رأيتم وجوده في مراكزنا الحكومية، يحسن التعامل مع المراجعين، ويبذل قصارى جهده ، وأقصى طاقته في خدمتهم، وتيسير أمورهم، وتلبية احتياجاتهم، وتذييل الصعاب أمامهم.

وكم صاحب مال كريم سخي باذل معطاء، مازال يبذل الصدقات، ويواسي المساكين، ويساعد المحتاجين، ويدعم المشاريع الخيرية.

النماذج الجليلة المُشْرقة المشرِّفة ؛ تحتاج  إلى إعلان أسمائها، والتعريف بأصحابها، والدعاية لأعمالها، والإشادة بتألقها، حتى ينتشر بيننا وهجها ، ويزداد عبقها ، ويتعمق وجودها، في أرجاء هذا المجتمع المبارك.

إن أسلوب القدوة الحسنة ، والتعريف بالنماذج المشاهدة؛ من أنجح أساليب التربية والتعليم، والتوجيه والإرشاد، والدعوة والإصلاح، وهو من أكثرها فائدة، وأجداها تأثيراً ، وأقواها نفعاً؛ في السمو بالمسالك الصحيحة، وتصحيح المسارات الخاطئة،والدروب الشائكة .